أمّا قبل :
ما زالت تُلاحقني تلك النظرة
لم استطع أن أُصنّفها , ولكنها تُرهقني ..!!
في ذلك اليوم , كنتُ أرتدي ملابسي على عجل استعداداً لحضور تجمّع عائلي بمنزل
والدي بينما كان فواز يبحثُ عن ساعته اللونجين بين فوضى أحد الأدراج .
وضعت اللمسة الأخيرة من الشدو , وأشرتُ إلى الدرج الأعلى من دولاب ملابسي قائلة :
- أعتقدُ أنني وضعتها هناك آخر مرة عندما وجدتُ سامر يلهو بها .
وقف على أطراف أصابعه وهو يترنم بأغنية ما ليصل لما يريد , وفجأة ساد صمتٌ مريب أتبعهُ
بصوتٍ حازم لم اسمعهُ يُناديني به من قبل :
- منال ؟؟
- نعم …!!!
لم يقُل شيء أكثر فقط كان هُناك وميضٌ غريب في عينيه , وغضبةٌ تعلو ملامحهُ الهادئة
عادةً . بينما كانت هناك قلادة ذهبية تتدلى من بين أصابع يده اليمنى , نُقش اسم (طلال)
على أحد جهاتها وبالأخرى كان اسمي ..!
سرى الارتباك في داخلي للحظة . كيف وصل لها ؟ وكيف سيُبرر وجود اسم طلال في مخبأ
سرّي لي .بل كيف َ سأُبرر له أنا ذلك .
خبأها في جيبه وذهب مُسرعاً للخارج . لحقتُ به , وفي الطريق لم استطع أن أُطالبه
بها … أو حتى أعتذر ليقيني أنه ليس هُناك ما يستحق الإعتذار … فطلال حقيقةٌ في
حياتي لا استطيعُ إخفائها وإن حاولت , ولن يستطيعوا إنكارها .
لم تكن علاقتي بـ طلال اعتيادية سواء لي أو لمن حولي . ربما لأن العلاقات التي تجمع
التضادات وتبدأ مُثيرةً الضجيج حولها , تكون لها نكهةً أقوى وأكثر صخباً في عيشِ مُفرداتها ..!
زواجي به كان تحطيم لأعراف قبيلة حرصت على أن لا يخرج بناتهن خارج إطارها , ولا أعلمُ
أيّ شجاعةٍ اكتسبها والدي ليوافق على ارتباطي برجلٍ من خارج قبيلتنا , بل من خارج
منطقتنا . وأصبح يواجه استنكار وغضب المُقربين بتجييره ما حدث للـ قـدر !
التقى الشمالُ بالجنوب , والأضداد بالتقائها تُولّد شرارة فرحٍ وبوابةٌ نحو سماوات الدهشة
وحياةً امتلأت حُباً كان عنوانها القدر …
القدرُ أيضاً هو الذي غيّب طـلال عنّي موتاً بعد ثلاث سنواتٍ كان ثمرتها سامر ..!
لسنواتٍ خمس ناضلتُ للحفاظِ على وفائي لذكراه . لا يدركون حجم مأساتي بفقده ,, ولا
يعلمون أنني لا أستطيع استثناءه من حياتي , ولا استبداله بآخر . ولكن وجود أرملةٍ شابة
ترعى طفلاً وحيدة أمٌر لا يستسيغهُ المجتمع … ولا والديّ أيضاً ..!
فوّاز … ناضل هو الآخر للحصول على موافقتي للزواج به , وافقت …. ربما لأنه كان أكثرهم
إلحاحاً … أو ربما للهرب من أحاديث والديّ وضرورة وجود (رجل) بحياتي يرعاني وابني ..
. وربما لأنه الوحيد من بين من تقاطر على منزل والدي خلال السنوات الخمس
من بعد موت طلال الذي أبدى استعداده لتربية سامر وبقائه معي . وهذا كان شرطي
الوحيد , أن لا افقد نبضة قلبي الأخيرة , وأن لاتموت روح طلال التي استحضرها من خلال
عيني سامر .
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ